ميرزا محمد حسن الآشتياني
20
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
نشاهد بالوجدان من تأثير تعجّب الشخص في حق نفسه وكون دفع الحسد واجبا خلقيّا وممّا أكّد عليه في الأخبار أيضا لا ينافي عدم وجوبه شرعا على هذه الأمّة فقوله قدس سره في بيان حكم الطيرة والمراد إمّا رفع المؤاخذة عليها إلى قوله وإمّا رفع أثرها لأن التطيّر كان يسدهم عن مقاصدهم فنفاه الشارع قد يناقش فيه من حيث كونه منافيا لما أفاده من عدم تعلق الرفع بالأمر الغير الشرعي مضافا إلى ما يرى بالوجدان من تأثيره في حقّ من يعتني به ولا يتوكل على اللّه في مورده فتدبّر هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالفقرات الثلاثة المذكورة في الحديث الشريف أخيرا على ما هو المعروف في معناها وبقي فيها أبحاث أخر نذكر في محلّ آخر مثل ما ذكره الصّدوق في معناها والمراد بها في رواية خصال فإنه معنى آخر لا ينطبق على ما ذكرناه في الحديث الشريف المتقدّم فإن مقتضاه ثبوت المذكورات في الجملة ولو في حق الأنبياء ومن دونهم فلا معنى لرفعها بناء عليه كما هو ظاهر [ في دلالة حديث ما حجب الله علمه عن العباد على أصالة البراءة فيما لا نص فيه ] ( قوله ) قدس سره وفيه أن الظاهر ممّا حجب اللّه علمه إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا إشكال في ظهور الحديث فيما أفاده في بيان معناه من أن المراد منه الحكم الذي لم يؤمر الأنبياء بتبليغه وكان مخزونا عندهم ومخفيّا عن الخلق كما هو مقتضى كثير من الأخبار ولا ينافي ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله في حجة الوداع من تبليغه تمام الدين إلى الخلق وتكميله ذلك بتبليغ أمر الولاية التي هي بمنزلة الروح له حقيقة فإنه يكفي في صدقه تبليغه إلى الوصيّ عليه السلام وأمره بالبيان حسب اقتضاء المصلحة فيخرج عن محل البحث وليس هنا إجماع مركّب وعدم قول بالفصل فتأمّل [ في بيان التعارض بين النّاس في سعة ما لا يعلمون ودليل الاحتياط ] ( قوله ) قدس سره وفيه ما تقدّم في الآيات من أن الأخباريّين إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) قد يناقش فيما أفاده من جعل مفاد الرواية أصلا في المسألة بحيث لا يصلح للمعارضة مع دليل الاحتياط فإنه على تقدير كون الكلمة موصولة أضيف إليه السّعة يكون مفادها إثبات السّعة ونفي الضيق بالنسبة إلى الحرمة المجهولة فإنّها غير معلومة ولو بملاحظة أخبار الاحتياط فإنها لا توجب العلم بالحرمة الواقعيّة وإنما تثبت وجوب التحرّز في مورد احتمالها فتثبت الضيق في قبال الرواية فالرواية تنفي وجوب الاحتياط عند احتمال الحرمة من حيث عدم العلم بها لا من حيث عدم العلم به حتى يقال بثبوته والفرق بينهما ظاهر فافهم وأمّا على تقدير كونها مصدرية زمانيّة فالأمر كذلك أيضا وإن لم يكن مثل الأوّل في الظهور فإنّه يصدق بعد ورود أخبار الاحتياط أيضا أن المكلّف غير عالم بالحكم الواقعي وإن لم يصدق عليه الجاهل بقول مطلق بعد فرض علمه بالحكم الظاهري فتأمل وجعل العلم بوجوب الاحتياط من بعض مراتب العلم بالحكم الواقعي كما ترى ( قوله ) قدس سره بناء على أنّ المراد بالشيء الأوّل إلى آخره ( 3 ) ( أقول ) لا يخفى ظهور الرواية في المعنى الثاني فلا دلالة لها على المدّعى ( قوله ) قدس سره وفيه أن الظاهر من الرواية إلى آخره ( 4 ) ( أقول ) ظهور الرواية فيما أفاده من إرادة الجهل المركّب لا البسيط الذي هو محلّ الكلام لا إشكال فيه أصلا لظهور كلمة الباء في السببيّة الغير المتحققة إلا مع الجهل المركّب لأن الشك بما هو لا يكون سببا كما هو واضح إلّا أنّ تأييد له بأنه على تقدير إرادة المعنى الثاني لا بد من ارتكاب التخصيص في الرواية بإخراج الشاك المقصّر مع أنها آبية عن التخصيص ربما يناقش فيه بأن التخصيص مما لا بدّ منه على كل تقدير إذ الجاهل المركب المقصّر أيضا غير معذور ومن هنا أمر قدس سره بالتأمّل فإن هذه المناقشة ممّا لا يمكن الذبّ عنه كما لا يخفى ( قوله ) قدس سره وفيه أن مدلوله كما عرفت إلى آخره ( 5 ) ( أقول ) إن إيتاء وجوب الاحتياط وتعريفه لا يفيد بالنسبة إلى الحكم الواقعي اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ إيجاب الاحتياط لما كان مصحّحا للعقاب بالنسبة إلى الواقع فيكفي في صدق الإيتاء والتعريف فتأمل أو يقال إن إيتاء الشارع للاحتياط بالنسبة إلى الواقع إيتاؤه في الجملة فتدبّر [ في دلالة كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي على أصالة البراءة فيما لا نصّ فيه ] ( قوله ) ودلالته أوضح من الكلّ إلى آخره ( 6 ) ( أقول ) ظهور الرواية في كون غاية الطلق والإباحة العلم بورود النهي في كل شيء بعنوانه الخاص لا بعنوانه من حيث كونه مشتبها ومجهول الحكم ممّا لا يقبل الإنكار إذ النهي عن عنوان العام نهي عنه حقيقة وهو أمر واحد لا عن كل شيء فافهم والمراد بالورود على ما عرفت ورود النّهي في الشيء بحيث يبلغ إلى المكلّف ويعلم به لاستحالة جعل المغيا الإباحة الواقعيّة كاستحالة جعل الغاية الورود الواقعي مع جعل المغيا الإباحة الظاهريّة وهي نصّ في الإباحة في مجهول الحرمة من غير فرق بين هذا الطريق وطريق آخر للرواية ذكر فيه حتى يرد فيه أمر أو نهي وأخبار الاحتياط على تقدير تسليم دلالتها ظاهرة في وجوب الاحتياط حتى أخبار التّثليث الواردة في الشبهة التحريميّة فإنّ حملها على صورة العلم الإجمالي بالحرمة أو رجحان الاحتياط ممكن وهذا بخلاف الرواية إذ لا معنى لها إلا الإباحة والتصرّف فيها بجعلها في مقام بيان حكم الشيء مع قطع النظر عن أخبار الاحتياط ليس عملا بها حقيقة بل هو طرح لها رأسا إذ لا يبقى مورد للعمل بها إذ حملها على الشبهة الموضوعيّة التي وافق الأخباريون مع المجتهدين على القول بالإباحة فيها غير ممكن ضرورة اختصاص الرواية وصراحتها في الشبهة الحكميّة وليس مثل قوله عليه السلام فيما سيجيء كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام كما لا يخفى ومنه يظهر أن كثيرا من الأخبار المتقدّمة المختصة بالشبهة الحكمية كجملة من الآيات على تقدير تسليم دلالتها نصّ بالنسبة إلى أخبار الاحتياط بالنظر إلى ما عرفته أو أظهر منها وإن أمكن حمل ما يعمّ الشبهة الوجوبيّة عليها كما عليه أكثر الأخباريّين ولكن هذا الحمل لا يمكن ارتكابه في المرسلة من حيث صراحتها في الشبهة التحريميّة على الطريقين هذا وسيجيء تمام الكلام في بيان النسبة بين أدلّة الطرفين والغرض من ذكر هذا الكلام في المقام التنبيه على